الخميس، 8 نوفمبر 2012

التطورات التصحيحية بعد فضيحة سعر الفائدة

  

مقال د. عبد القادر ورسمه غالب

التلاعب الذي استمر لعدة سنوات في أسعار الفائدة بين البنوك في لندن "ليبور"، كان يقوم به بعض موظفي بنك باركليز لسنوات دون أن يتم كشفهم إلا بمحض الصدفة بالرغم من أن مثل هذه الأعمال يتأثر بها القطاع المصرفي في كل أرجاء العالم لأن مؤشر "الليبور" يمثل سلسلة من أسعار الفائدة التي تمنح بموجبها البنوك التقليدية قروضا لبعضها البعض دون أي ضمانات إضافية. و إضافة لذلك فأن هذا المؤشر يعتبر مقياسا "بنش مارك" في تحديد أسعار 

 
الفائدة، أو الرسوم الإدارية، علي مستوي العالم. و يوميا تقوم البنوك في العالم بتوقيع العقود بمليارات الدولارات أو إبرام العديد من الصفقات المالية معتمدة علي مؤشر "الليبور" أو نظام "البنش مارك" وفق النظام المتبع في الليبور، و الذي يكتشف الجميع فجأة و بدون مقدمات أن عدة أشخاص عديمي المهنية و الضمير يتلاعبون به لمنافع ذاتية.
إن التخلص من صدمة نظام "الليبور" قد يحتاج إلي وقت طويل لتلافي الآثار السلبية والخسائر المالية و لهذا تعرضت السلطات الانجليزية لضغوط شديدة من أجل التدخل السريع لتصحيح الأوضاع و لإعادة التصرفات المنفلتة إلي وضع يمكن من السيطرة التامة عليها مع المراقبة الفعالة. و بالفعل قامت السلطات السياسية و الرقابية في بريطانيا بالتدخل الحازم لإعادة الثقة لنظام "الليبور" و لإعادة الطمأنينة للمكانة التي يتبوأنها في العمل المصرفي علي نطاق العالم. و قامت الحكومة علي أعلي مستوياتها بتقديم التعليمات الصريحة للتحقيق الشفاف فيما حدث مع سرعة تصحيح الأوضاع لضمان المكانة العالية التي تحتلها الصناعة المصرفية في هذا البلد و ما تدره هذه الخدمات من الأموال و السمعة التجارية. و لا بد من الإشارة إلي أن الحكومة البريطانية أصدرت توجيهاتها للسلطات الإشرافية للعمل من أجل ضمان توفر المؤسسية و أسس الحوكمة المطلوبة بأعلى الدرجات في القطاع المصرفي البريطاني.
و لقد تدخل، المستر مارتن ويتلي، و هو العضو المنتدب لهيئة الخدمات المالية و المسؤول المباشر عن مراقبة القطاع المالي الانجليزي بما فيها البنوك و أعلن قبل أيام عن خطة مدروسة لتصحيح أوضاع  نظام الليبور. و تتمثل هذه الخطة في حوالي عشرة محاور من أهمها ما سماه بعملية "التشذيب" أو "إعادة القص" لتقليل عدد أسعار الفوائد التي يقدمها نظام الليبور و ذلك بقص بعضها لتقليل العدد المطروح، وتعيين مدير إداري جديد لإدارة نظام الليبور و هذا ينهي فترة الاستقلال الذاتي الذي كان يسير عليه نظام الليبور، و كذلك مراجعة كل اللوائح لفرض المزيد من الضمانات الإشرافية القوية التي تضمن سير العمل وفق المعايير المصرفية السليمة. و المستر مارتن قال صراحة "سنعيد وضع الليبور في مكانه الصحيح ليتمكن من لعب دوره المنشود في المهنة المصرفية السليمة و ليس كما يريد ضعاف النفوس تسييره لتحقيق مصالحهم الدنيئة". و هذا اعتراف صريح من أعلي سلطة إشرافية علي القطاع المصرفي بأن ما حدث كان خطأ لا يغتفر و لكن هناك إصرار واضح لعدم تكراره أو تهيئة الفرصة لتكراره تحت أي ظرف من الظروف. و في هذا دعم للصناعة المصرفية و تأكيد علي تجاوز الأخطاء للوصول إلي الهدف المنشود في خلق البيئة المصرفية السليمة مع إيجاد العديد من البدائل القانونية و المؤسسية لتدارك ما حدث من كبوة مع النهوض السريع لتكملة المشوار. و هذا يؤكد أن أسس الصناعة المصرفية السليمة متجذرة في النظام المالي و المصرفي الانجليزي، و يجحد من يقول أننا لم نستفد من تجاربهم و ممارساتهم و أعرافهم المصرفية التي تباشرها كل البنوك و بكافة أشكالها.
و وفق التعليمات الجديدة فان نظام الليبور سيظل يعتمد علي التقديرات اليومية التي تصله من لجان البنوك المختارة لتقديم التقديرات اليومية المقترحة لأسعار الفائدة للاقتراض فيما بين البنوك في لندن، و لكن الإشراف علي عمل هذه اللجان سينتقل من "جمعية المصارف البريطانية" إلي يد مدير إداري مستقل سيتم اختياره من المشهود لهم بالمهنية العالية و الخبرة التراكمية الناضجة زائدا الأمانة و النزاهة مع توفر الحيدة و الاستقلالية.
و من المقترحات التي تم تقديمها لتصحيح نظام الليبور، إسقاط أو قص بعض العملات من سلة العملات التي ينظر لها عند تحديد سعر فائدة الليبور و كذلك إنقاص عدد "التحديدات" اليومية لأسعار الفائدة إلي 130 مرة من أل 150 مرة المتبعة حاليا. وكل هذا لضمان الاستفادة من و التركيز علي سلة العملات و مقدار الأسعار التي يستخدمها المستثمرون و الدائنون و يميلون إلي استخدامها بكثرة، و لكن، وحتى لا يكون تأثيرهم غير مسنود بواقع السوق فان اللوائح الجديدة لتنظيم الليبور نصت علي أن التلاعب بالأسعار و العملات بغرض التأثير علي قرار البنوك يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. و هذا يحدث لأول مرة ليتم كبح جماح من يستغل هذا المنفذ لتحقيق مآرب ذاتية باعتبارها مكاسب غير قانونية. و وفقا لهذا التطور و منعا للتلاعب فيجب علي البنوك توضيح كيفية الوصول إلي تحديد أسعار الفائدة و ما هي الطرق و الكيفية التي قامت بها للوصول إلي هذه النسب و الأسعار و هنا ستقوم هيئة الخدمات المالية بتعيين موظف خاص في كل بنك لتولي مسئولية تنفيذ هذه المهمة و المتابعة المباشرة معه.
و من مقترحات المستر مارتن ويتلي توسيع القاعدة و زيادة عدد البنوك التي تشارك في نظام الليبور لتحديد أسعار الفائدة حيث يقترح زيادة عدد البنوك المشاركة من حوالي 20 بنك إلي 40 بنك كما يحدث في النظام الأوربي "أيوربور" الخاص بالدول الأوربية و الذي يقوم بنفس المهام التي يقوم بها "الليبور" في لندن. و لتحقيق هذا و لمنح المزيد من الطمأنينة للبنوك بغرض تشجيعها للمشاركة فان اللوائح الجديدة تشير إلي ضرورة عدم الإفصاح عما تتقدم به البنوك من أرقام لتحديد سعر الفائدة لنظام الليبور و جعل هذه المقترحات سرية علي الأقل لمدة 3 أشهر و بهذا يكون كل بنك "مرتاح" عند تقديم مقترحاته و هذا فيه تشجيع للمشاركة الفاعلة في هذا النظام المصرفي الهام.
من المتوقع أن يكون لهذه الخطوات التصحيحية أثرا كبيرا في إعادة الثقة لنظام الليبور الذي ظلت البنوك و منذ مدة طويلة تسترشد به ك "بنش مارك" لتحديد سعر الفائدة عند الاقتراض فيما بينها، و في جميع الأحوال فان هذه الخطوات الجريئة من السلطات الإشرافية في بريطانيا تجد من الجميع المساندة و الدعم حتى تستقيم الأمور في هذا النشاط المصرفي الحساس و الذي يجب أن يظل بعيدا تماما عن كل الشبهات و النزوات الشخصية.


د. عبد القادر ورسمه غالب
المستشار القانوني و مدير أول دائرة الشؤون القانونية
لبنك البحرين و الكويت
و أستاذ قوانين الأعمال و التجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين
Email: awghalib@hotmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك بتعليق جزاك الله خير